الجصاص

605

أحكام القرآن

فقال : رضينا بالله ربا وبالإسلام دينا وبالقرآن إماما وبمحمد نبيا ! يا رسول الله كنا حديثي عهد بجاهلية وشرك والله تعالى يعلم من آباؤنا ، فسكن غضبه ونزلت هذه الآية : ( يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم ) . وروى إبراهيم الهجري عن أبي عياض عن أبي هريرة ، أنها نزلت حين سئل عن الحج أفي كل عام ؟ وعن أبي أمامة نحو ذلك . وروى عكرمة أنها نزلت في الرجل الذي قال من أبي . وقال سعيد بن جبير : في الذين سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن البحيرة والسائبة . وقال مقسم : فيما سألت الأمم أنبياءهم من الآيات . قال أبو بكر : ليس يمتنع تصحيح هذه الروايات كلها في سبب نزول الآية ، فيكون النبي صلى الله عليه وسلم حين قال : " لا تسألوني عن شئ إلا أجبتكم " سأله عبد الله بن حذافة عن أبيه من هو ، لأنه قد كان يتكلم في نسبه ، وسأله كل واحد من الذين ذكر عنهم هذه المسائل على اختلافها ، فأنزل الله تعالى : ( لا تسألوا عن أشياء ) يعني عن مثلها ، لأنه لم يكن بهم حاجة إليها ، فأما عبد الله بن حذافة فقد كان نسبه من حذافة ثابتا بالفراش ، فلم يحتج إلى معرفة حقيقة كونه من ماء من هو منه ، ولأنه كان لا يأمن أن يكون من ماء غيره فيكشف عن أمر قد ستره الله تعالى ويهتك أمه ويشين نفسه بلا طائل ولا فائدة له فيه ، لأن نسبه حينئذ مع كونه من ماء غيره ثابت من حذافة لأنه صاحب الفراش ، فلذلك قالت له : لقد عققتني بسؤالك ، فقال : لم تسكن نفسي إلا بإخبار النبي صلى الله عليه وسلم بذلك . فهذا من الأسئلة التي كان ضرر الجواب عنها عليه كان كثيرا لو صادف غير الظاهر ، فكان منهيا عنه ، ألا ترى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " من أتى شيئا من هذه القاذورات فليستتر بستر الله ، فإن من أبدى لنا صحفة أقمنا عليه كتاب الله " وقال لهزال وكان أشار على ماعز بالإقرار بالزنا : " لو سترته بثوبك كان خيرا لك " وكذلك الرجل الذي قال : يا رسول الله أين أنا ؟ قد كان غنيا عن هذه المسألة والستر على نفسه في الدنيا ، فهتك ستره وقد كان الستر أولى به . وكذلك المسألة عن الآيات مع ظهور ما ظهر من المعجزات منهي عنها غير سائغ لأحد ، لأن معجزات الأنبياء لا يجوز أن تكون تبعا لأهواء الكفار وشهواتهم . فهذا النحو من المسائل مستقبحة مكروهة ، وأما سؤال الحج في كل عام ، فقد كان على سامع آية الحج الاكتفاء بموجب حكمها من إيجابها حجة واحدة ، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم : " إنها حجة واحدة ولو قلت نعم لوجبت " فأخبر أنه لو قال نعم لوجبت بقوله دون الآية ، فلم يكن به حاجة إلى المسألة مع إمكان الاجتزاء بحكم الآية . وأبعد هذه التأويلات قول من ذكر أنه